ابن العربي
604
أحكام القرآن
فإن قيل : فقد قال تعالى « 1 » : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ فكانت هذه المغفرة عامة في كل حقّ . قلنا : هذه مغفرة عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام ؛ فأمّا من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها . وقد قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الشهادة : إنها تكفّر كل خطيئة إلا الدّين . وأما من قال : إنّ حكمها أنها تكفّر حقوق اللّه تعالى فهو صحيح لقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وأما من قال في حقوق الآدميين : إنّ الإمام لا يتولّى طلبها ، وإنما يطلبها أربابها - وهو مذهب مالك - فصحيح ؛ لأنّ الإمام ليس بوكيل لمعيّنين من الناس في حقوقهم المعيّنة ، وإنما هو نائبهم في حقوقهم المجملة المبهمة التي ليست بمعينة . وأما إن عرفنا بيده مالا لأحد أخذه في الحرابة فلا نبقيه في يده لأنه عصب ، ونحن نشاهده ، والإقرار على المنكر لا يجوز ، فيكون بيد صاحبه المسلم حتى يأخذه مالكه من يد صاحبه وأخيه الذي يوقفه الإمام عنده . الآية الثالثة عشرة - قوله تعالى « 2 » : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . فيها تسع وعشرون مسألة : المسألة الأولى - في شرح حقيقة السرقة ؛ وهي أخذ المال على خفية من الأعين ، وقد بيّنا ذلك في مسألة قطع النبّاش من مسائل الخلاف ، فلينظر هنالك في كتبه . وقد قال محمد بن يزيد : السارق هو المعلن والمختفى . وقال ثعلب : هو المختفى ، والمعلن عاد . وبه نقول ، وقد بيناه في الملجئة . المسألة الثانية - الألف واللام من السارق والسارقة بيّنا معناهما في الرسالة الملجئة . وقلنا : إن الألف واللام يجتمعان في الاسم ويردان عليه للتخصيص وللتعيين ، وكلاهما تعريف بمنكور على
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 38 . ( 2 ) الآية الثامنة والثلاثون من السورة .